السيد عبد الأعلى السبزواري
268
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
التفسير قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا . المراد بالذين آمنوا من اتخذ الدين القيم كما قال تعالى : دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً [ سورة الأنعام ، الآية : 161 ] وليس المراد به خصوص المسلمين الذين صدقوا محمدا ( صلّى اللّه عليه وآله ) ، ويدل على التعميم ذيل الآية الشريفة فيكون ذكر الأصناف الثلاثة تخصيصا بعد التعميم ، وتفصيلا بعد الإجمال . قوله تعالى : وَالَّذِينَ هادُوا . أي الذين صاروا يهودا نسبوا إلى يهوذا أكبر ولد يعقوب ، وأبدلت الذال دالا تخفيفا في الاستعمال ، وهو اسم جمع واحده يهودي ، كالروم والرومي . وقد استعملت مادة ( ه ود ) بهيئاتها في القرآن الكريم ، فقال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ [ سورة الحج ، الآية : 17 ] ، وقال تعالى : كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى [ سورة البقرة ، الآية : 135 ] ، وقال تعالى : وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [ سورة المائدة ، الآية : 64 ] وهذه المادة تأتي بمعنى الرجوع والتوبة ، قال تعالى : إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ [ سورة الأعراف ، الآية : 156 ] أي : تبنا . سميت اليهود بذلك لتوبتهم عن عبادة العجل ، أو الرجوع عن شريعة موسى ( عليه السلام ) أو الرجوع عن الإسلام ، والكل صحيح في الجملة بالنسبة إليهم حسب الاختلاف الواقع بينهم ، وقد نسب إلى نبينا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) أنه قال : « اختلفت بنو إسرائيل بعد موسى بخمسمائة سنة واختلفوا بعد عيسى بمأتي سنة » . وتأتي بمعنى السكون والموادعة والتأني في الحركة . ويستفاد من قوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ [ سورة المائدة ، الآية : 44 ] أن الإيمان بتوراة موسى ( عليه السلام ) والتسليم بشريعته أخص من مطلق التهود في تلك الأعصار القديمة فضلا عن هذه الأعصار ، ويشهد لذلك ما نقل في التاريخ أن بني إسرائيل ارتد أكثر أسباطهم إلى الشرك وعبادة الأوثان من بعد سليمان ، ثم بادوا بالقتل والأسر فلم يبق منهم اسم ولا رسم . والذين بقوا على صورة التوحيد والشريعة على